عيسى البندنيجي القادري

45

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

قلت والحكمة في المؤاخاة كمال الألفة وزوال الوحشة فيما بينهم رضي الله عنهم أجمعين ورضي عنا بهم . وأما زهده فقد نقل أن قوته كان خبز الشعير ، فيأخذ منها قبضة ويضعها في القدح ، ثم يصب عليها ماء ويشرب ، وكان رضي الله عنه يوما جالسا فجاءه ( التياح ) فقال يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء ، فقال الله أكبر ، فقام ونادى في الناس ، فأعطى جميع ما في بيت مال المسلمين ، وهو يقول : يا صفراء ، يا بيضاء غري غيري ، ها ، ها ، حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ، ثم أمر بنضحه ، وصلّى فيه ركعتين ، رجاء أن يشهد له يوم القيامة ، ويروى أن ضرار بن حمزة « 1 » قال : أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله ، وغابت نجومه ، قابضا على لحيته وهو يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غري غيري ، إليّ تعرضت أم لي تشوّقت هيهات هيهات ، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك كثير ، ومجلسك حقير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ، ولقد أحسن من قال في المعنى : عتبت على الدنيا وقلت إلى متى * أكابد دهرا همّه ليس ينجلي فقالت أجل يا ابن الرسول رميتم * بسهم عناد حين طلقني علي قال ابن أرقم : رأيت عليا وهو يبيع سيفا له في السوق ويقول من يشتري مني هذا السيف فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكروب عن وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته ، وكان رضي الله عنه كثيرا ما ينشد ويقول : حقيق بالتواضع من يموت * ويكفي المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا هموم * وحرص ليس تدركه النعوت

--> ( 1 ) هو ضرار بن حمزة الضبائي ، والكلمة له في نهج البلاغة ص 480 قالها عند دخوله على معاوية ومسألته له عن الإمام علي .